الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
310
مختصر الامثل
والإيمان ، وهذا هو أسلوب الإسلام الذي لا يعادي أحداً على أساس اللون والعنصر ، بل يعاديه على أساس اعتقادي محض ، ويكافحه إذا كانت أعماله لا تنطبق مع الحق والعدل والخير . ثم إنّه سبحانه قال : « وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ » . معقباً بذلك على العبارات السابقة ومكملًا للآية ويعني بقوله أنّ هؤلاء الذين أسلموا واتخذوا مواقعهم في صفوف المتقين لن يضيع اللَّه لهم عملًا ، وإن كانوا قد ارتكبوا في سابق حالهم ما ارتكبوه من الآثام ، وما إقترفوه من المعاصي ، ذلك لأنّهم قد أعادوا النظر في سلوكهم وأصلحوا مسارهم ، وغيروا موقفهم . كيف « وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ » وكأنّ هذه العبارة التي يختم بها سبحانه الآية الحاضرة تشير إلى حقيقة من الحقائق الهامة وهي : أنّ المتقين وإن كانوا قلة قليلة في الأغلب ، وخاصة في جماعة اليهود الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وآله حيث كان المسلمون المهتدون منهم قلة ضعيفة ، ومن شأن ذلك أن لا تلفت كميتهم النظر ، ولكنهم مع ذلك يعلّمهم اللَّه بعلمه الذي لا يعزب عنه شيء ، فلا موجب للقلق ، ولا داعي للاضطراب ما دام سبحانه يعلم بالمتقين على قلتهم ، ويعلم بأعمالهم ، فلا يضيعها أبداً قليلة كانت أو كثيرة . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 116 ) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) في مقابل العناصر التي تبحث عن الحقّ ، وتؤمن به من الذين وصفتهم الآية السابقة ، هناك عناصر كافرة ظالمة وصفهم اللَّه سبحانه في هاتين الآيتين بقوله : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيًا » لأنّه لا ينفع في الآخرة سوى العمل الصالح والإيمان الخالص لا الامتيازات المادية ، في هذه الحياة : « يَوْمَ لَايَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَىَ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » « 1 » . إنّ القرآن ينادي بصراحة بأنّ الامتيازات المالية والقدرة البشرية الجماعية لا تعد
--> ( 1 ) سورة الشعراء / 88 و 89 .